الشيخ محمد السند

171

الغلو و الفرق الباطنية ( رواة المعارف بين الغلاة والمقصرة )

وهاهنا يشير عليه السلام بوضوح أنّ الآية الكريمة تؤكّد على لزوم معرفة الحق والشهادة به معرفة مستندة إلى العلم بالبصيرة النافذة إلى أعماق الحقيقة دون معرفة المقصّرة المقتصرة على السطح الظاهر . وفي قوله عليه السلام أيضاً : وأنّه من عرف أطاع ومن أطاع حرّم الحرام ظاهره وباطنه ، ولا يكون تحريم الباطن واستحلال الظاهر ، وإنّما حرّم الظاهر بالباطن والباطن بالظاهر معاً جميعاً ، ولا يكون الأصل والفروع وباطن الحرام حرام وظاهره حلال ، ولا يحرّم الباطن ويستحلّ الظاهر . وكذلك لا يستقيم أن يعرف صلاة الباطن ولا يعرف صلاة الظاهر ، ولا الزكاة ولا الصوم ولا الحجّ ولا العمرة ولا المسجد الحرام ولا جميع حرمات اللَّه وشعائره ، وأن يترك معرفة الباطن ، لأنّ باطنه ظهره ولا يستقيم ان ترك واحدة منها إذا كان الباطن حراماً خبيثاً فالظاهر منه إنّما يشبه الباطن ، فمن زعم أنّ ذلك إنّما هي المعرفة وأنّه إذا عرف اكتفى بغير طاعة فقد كذب وأشرك ذاك لم يعرف ولم يطع وإنّما قيل : « اعرف واعمل ما شئت من الخير » فإنه لا يقبل ذلك منك بغير معرفة فإذا عرفت فاعمل لنفسك ما شئت من الطاعة قلّ أو كثر فإنّه مقبول منك « 1 » . وفي هذه الفقرات يشاهد تركيز واضح منه عليه السلام على لزوم التقيّد في العمل بأحكام الفروع مما هو ظاهر التشريع ، كلزوم التقيّد بنافذ البصيرة في المعرفة وأنّه لا تنفك الطاعة في الفروع عن المعرفة في الأصول ، ولا يكتفى بالمعرفة عن الطاعة ، كما لا يكتفى بالطاعة عن المعرفة . وهذا كلّه تأكيد على أنّ نمط الانحراف السائل في هذه الفرق هو في التفكيك بين الجانبين والجهتين لا في أصل ما يتعمّقون فيه من مقالات معرفيّة ، بل إنّ تلك المقالات لها أصل سمعوه وحديث رووه إلّاأنّهم لم يعقلوا حدود معناه ولم يقفوا على مفهومه وأخطأوا في تأويله .

--> ( 1 ) . بحار الأنوار 24 / 292 .